حمص و بليلة بقلم:توفيق عبيد

كتب الوطن في دفتر يوميات الزمن ان هناك بيارة في هيئة.. الهيئة قدمت في الماضي خدمات جليلة و هي الآن مع آخرين في مساعي حثيثة لإنشاء دولة حمص و بليلة !! و البيارة راعيها ماسوني متأنق.. لبق و عبد مطيع لأسياده .. همه المهية المليحة و السيارة المريحة و يصيح دائماً أين أنتم يا لويحة؟!! و ثمارها أصابها التقليص و الحصار و أصبحت شحيحة.. لا طعم و لا لون و لا ريحة !! و عمالها بعضهم صادق و أمين.. سلك طريق الحق.. طريق موحش و صعب لقلة السائرين عليه و بعضهم الثاني سادة مسح الجوخ .. يتسلقون على أكتاف الكذب ليقدموا فروض الطاعة و البعض الثالث سلبي عاجز.. أسير كسرة الخبز المر .. يمشي في ذرى الحيط و يقول: يا رب الستر !!
مدير الهيئة مستر جون استدعى مدير عملياته مستر دافيد و طلب منه إحضار الموظف المحلي الذي حدثه عنه.. استدعي دافيد هاشم على عجل.. اجتمع ثلاثتهم .. دافيد يقول: طبعاً مستر جون مدير الهيئة غني عن التعريف.. أقدم لك يا جون صديقنا هاشم.. هاشم تعلم إدارة الأعمال في ولاية بنسلفانيا .. يؤمن بالقيم و الثقافة الغربية حتي النخاع و يحتقر العربية حتى القاع !! هاشم كفاءة يعتمد عليه في حقل الاغاثة و الخدمات الاجتماعية .
_ مستر دافيد.. مستر هاشم.. الهيئة تمر بأزمة مالية كبيرة و لدينا 160,000عائلة مستفيدة من المساعدات الغذائية العادية و الطارئة و نريد تقليص هذا العدد الي 60.000 عائلة في المرحلة الاولي و الموافقة على بعض مئات من عشرات الآلاف من الطلبات الجديدة .. هل تستطيع ذلك يا هاشم ؟
_ yes, sir نعم سيدي. أستطيع ..
_ اذن سنعلن عن الوظيفة وتتقدم لها وسنختارك طبعاً لها وستختار أنت من تشاء من الطاقم الاٍداري للحقل لتنفيذ ذلك .
_ thank you very much, sir شكراً جزيلاً ... ثقتكم الغالية هذه وسام يعلق على صدري .
تسلم هاشم الوظيفة الجديدة ... لبس العفش وانتفش ... قسَم حقل الاٍغاثة والخدمات الاٍجتماعية اٍلى أربعة مناطق ... وعيَن أربعة من جماعته المخلصين ... أخلصهم في منطقة الشط ويدعى سليم الغراب ... سليم الغراب يراجع جمهور البيارة من اللاجئين وتظهر كل اٍبداعاته في الكذب عليهم ويتفنن في اٍعطائهم الوعود البراقة والمواعيد الوهمية ... وفي أحد أيام تموز كان طابور المراجعين طويلاً... تلفح وجوه المراجعين حرارة تموز الحارقة .. اصطفوا في طابور مراجعة سليم الغراب .. يحملون بطاقة إعاشة اللاجئين ..يطلبون كوبون تموين بها حفنة طحين تسد رمق اللاجئين في هذا الزمن الصعب الحزين . 
في بداية الطابور لاجئ شاب متزوج حديثاً .. فرحان على بطاقة اللاجئ الجديدة .. مدها الي سليم الغراب و طلب منه التسجيل للحصول علي كوبون التموين .. أجابه الغراب..
_ لقد سجلت طلبك و سيقوم الباحث الاجتماعي بزيارتك في غضون ثلاثة أشهر .
مد يده الثاني في الطابور ببطاقة اللاجئ .. التقطها سليم الغراب .. فحص علي الكمبيوتر .. موجود لك طلب و سيزورك الباحث الاجتماعي في غضون ثلاثة أشهر .. قال الغراب .
_ تقدمت بطلبي الأول بعد الزواج مباشرة و بعد حصولي علي بطاقة لاجئ و لقد رزقت بطفلي الأول و الثاني و زوجتي علي وشك وضع الطفل الثالث و أنا أنتظر زيارة الباحث للحصول علي الكوبون !! رد الثاني في الطابور .
_ هذا نظام حديث علي الكمبيوتر و عليك توقع زيارة الباحث في الثلاثة أشهر القادمة !!! رد الغراب .
_ والله لو أن الباحث جاي من الصين على توك توك لزمان وصل !! علق أحدهم في منتصف الطابور . 
الثالث في الطابور يمد يده بالبطاقة ... نتيجة البحث سلبية .. يرد الغراب.
_ أنا الفقير المسكين .. كنت عامل في اسرائيل .. الاّن عاطل عن العمل منذ سنوات كثيرة و أعول أسرة مكونة من تسعة أفراد مرفوض واّخرين موظفين كمدراء مدارس وباحثين ومدرسين يتلقون مساعدات غذائية .. لا بل هناك موظفين كبار مدنيين وعسكريين وأصحاب رتب ومرتبات كبيرة يحصلون على مساعدات غذائية دورية وأنا لا !! الله ينتقم منك يا غراب .. يا غراب البين .. حسبي الله ونعم الوكيل فيك .. قذف بهذه الكلمات وهو يضرب كفاَ بكف وترك الطابور عائداَ اٍلى بيته !! 
مد الرابع في الطابور بطاقة اللجوء.. فحص الغراب..
_ أنت تتسلم مواد تموينية .. ماذا تريد؟
_ أريد مساعدة نقدية .. المساعدة النقدية التي قطعتموها علينا !!
_ الهيئة تمر في أزمة مالية خانقة و لا امكانية لعودة المساعدات النقدية . رد الغراب .
_ والله صحيح.. يوجد 50مليون $ لبرامج كمبيوتر فاشلة و 20 مليون $ لبرامج كوبونات أفشل .. و تقولون أزمة مالية. عساكم تريدون رأس الشاهد الحي علي النكبة !!!
أدار الغراب ظهره ورد علي الرابع ..
_ صحيح شحاتين و نماريد.. روح انصرف لحسن ألعن ....!!!
مد يده الخامس في الطابور بالبطاقة للمراجعة.. فحص الغراب.. انقطع التيار الكهربائي.. تعطل جهاز الكمبيوتر... انتظروا حتي تشغيل المولد و عودة النت الي الجهاز.. صاح الغراب بالطابور .
وضع الخامس في الطابور يديه علي الشباك و دفن رأسه بين ذراعيه و أخذته سنة من النوم .. غط في نوم عميق و ابتلعته الأحلام .. سرعان ما تحولت الي كوابيس تطارده و تنقض عليه .. يبدأ بالارتجاف .. يداري رعبه بالمخدة .. يدفن نفسه تحت اللحاف.. عبثاً يحاول الانزواء من القدر.. يشد رأسه بين يديه.. يعض علي شفتيه محاولاً بذلك دفع تلك الفكرة الجنونية بعيداً بكل ما يملك من قوة .. تصاعدت وتيرة تنفسه و امتزج بخفقان القلب, استحوذت الروح الشريرة علي مجمع الحواس .. انسلت من فراشها .. تسربت من غرفتها الي المطبخ , استلت سكيناً كبيراً .. أخفته و خرجت تشد بين أنيابها علي ارادة كانت تخونها كل ليلة , ارادة انفلتت من عقالها , أخذت تمشي علي دقات قلبها و الدموع متحجرة في عينيها.. سارعت الخطي الي الغراب و كمبيوتره.. استلت السكين من بين ثنايا ثيابها و رفعته بيمينها عالياً... استيقظ من كابوسه علي صيحة الغراب..
_ يا جماعة الجهاز عطلان.. الرجاء مراجعتنا غداً أو بعد غد بعد أن يتم صيانة الكمبيوتر!!
_ في اّخر الطابور رجل أشعث أغبر أخذ منه الزمن وأعطى .. ينفث بدخان سيجارته الانتر لف... تنحنح ... كح كحة طويلة ... ثم قال : سجل يا تاريخ بمداد من خرة أسماء كل المسئولين الذين تاّمروا على الموظفين وعلى حقوق اللاجئين ..الذين تآمروا على كيس الطحين وعلى بطاقة التموين .. الذين تآمروا على هذا الشعب الحزين وعلى التلاميذ المساكين ... أدار ظهره وأردف ..هنيئاً لكم دولة حمص و بليلة !! يا بليلة بلبلوكي و بالخيانة نقعوكي !!!!


تم ارسال التعليق